فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا} أي ولجعلنا الرسول ملكًا، كما اقترحوا، لأنهم كانوا يقولون: لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة، ومعنى {لجعلناه رجلًا} أي لصيرناه في صورة رجل، كما كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غالب الأحوال في صورة دحية، وتارة ظهر له وللصحابة في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وفي الحديث: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا»، وكما تصوّر جبريل لمريم بشرًا سويًا والملائكة أضياف إبراهيم وأضياف لوط ومتسوّر والمحراب، فإنهم ظهروا بصورة البشر وإنما كان يكون بصورة رجل، لأن الناس لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، ويؤيده هلاك الذي سمع صوت ملك في السحاب يقول: أقدم حيزوم فمات لسماع صوته فكيف لو رآه في خلقته.
قال ابن عطية: ولا يعارض هذا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل وغيره في صورهم، لأنه عليه السلام أعطى قوة يعني غير قوى البشر وجاء بلفظ رجل ردًّا على المخاطبين بهذا، إذ كانوا يزعمون أن الملائكة إناث.
وقال القرطبي: لو جعل الله الرسول إلى البشر ملكًا لفروا من مقاربته وما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه ما يلكنهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله، فلا تعم المصلحة ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم لقالوا: لست ملكًا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم؛ انتهى.
وهو جمع كلام من قبله من المفسرين، وفي هذه الآية دليل على من أنكر نزول الملائكة إلى الأرض وقالوا: هي أجسام لطيفة ليس فيها ما يقتضي انحطاطها ونزولها إلى الأرض، ورد ذلك عليهم بأنه تعالى قادر أن يودع أجسامها ثقلًا يكون سببًا لنزولها إلى الأرض ثم يزيل ذلك، فتعود إلى ما كانت عليه من اللطافة والخفة فيكون ذلك سببًا لارتفاعها؛ انتهى.
هذا الردّ والذي نقول إن القدرة الإلهية تنزل الخفيف وتصعد الكثيف من غير أن يجعل في الخفيف ثقلًا وفي الكثيف خفة وليس هذا بالمستحيل، فيتكلف أن يودع في الخفيف ثقلًا وفي الكثيف خفة، وفي الآية دليل على إمكان تمثيل الملائكة بصورة البشر وهو صحيح واقع بالنقل المتواتر.
{وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسان وليس بملك، فإني أستدل بأني جئت بالقرآن المعجز وفيه أني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا الرسل فخذلوا كما هم مخذولون، ويجوز أن يكون المعنى {وللبسنا عليهم} حينئذ مثل {ما يلبسون} على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله قاله الزمخشري وفيه بعض تلخيص.
وقال ابن عطية: ولخلطنا عليهم ما يخلطون به على أنفسهم وضعفتهم، أي: لفعلنا لهم في ذلك تلبسًا يطرّق لهم إلى أن يلبسوا به وذلك لا يحسن، ويحتمل الكلام مقصدًا آخر أي {للبسنا} نحن {عليهم} كما يلبسون هم على ضعفتهم، فكنا ننهاهم عن التلبيس ونفعله نحن؛ انتهى.
وقال قوم: كان يحصل التلبيس لاعتقادهم أن الملائكة إناث فلو رأوه في صورة رجل حصل التلبيس عليهم كما حصل منهم التلبيس على غيرهم.
وقال قوم منهم الضحاك: الآية نزلت في اليهود والنصارى في دينهم وكتبهم حرفوها وكذبوا رسلهم، فالمعنى في اللبس زدناهم ضلالًا على ضلالهم.
وقال ابن عباس: لبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم بتحريف الكلام عن مواضعه، و{ما} مصدرية وأضاف اللبس إليه تعالى على جهة الخلق، وإليهم على جهة الاكتساب.
وقرأ ابن محيصن: ولبسنا بلام واحدة والزهري {وللبسنا} بتشديد الباء. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلاَّ بعد التجسم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه؛ فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكًا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والإتقاء له ما يَكفُّهم عن كلامه، ويمنعهم عن سؤاله، فلا تَعمّ المصلحة؛ ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا: لست ملكًا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم.
وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطًا في صورة الآدميين، وأتى جبرائيل النبيّ عليهما الصَّلاة والسَّلام في صورة دِحْية الكَلْبيّ.
أي لو نزل ملك لرَأوه في صورة رجل كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على عادته لم يروه؛ فإذا جعلناه رجلًا التبس عليهم فكانوا يقولون: هذا ساحر مثلك.
وقال الزّجاج: المعنى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم} أي على رؤسائهم كما يلْبِسون على ضَعفتهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق، فيلبسون عليهم بهذا ويُشكِّكونهم؛ فأعلمهم الله عزّ وجلّ أنه لو أنزل مَلِكًا في صورة رجل لوجدوا سبيلًا إلى اللَّبْس كما يفعلون.
واللَّبْس الخلْط؛ يُقال: لَبَست عليه الأمر ألْبِسه لَبْسًا أي خَلَطته؛ وأصله التّستر بالثوب ونحوه.
وقال: {لَبَسْنَا} بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق، وقال: {مَّا يَلْبِسُونَ} فأضاف إليهم على جهة الاكتساب. اهـ.

.قال الألوسي:

وقد أشير إلى الثاني بقوله سبحانه: {وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا} على أن الضمير الأول للنذير المحدث للناس عنه عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى الكلام بمعونة المقام والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول أي ولو جعلنا النذير الذي اقترحتم إنزاله ملكًا لمثلنا ذلك الملك رجلًا لعدم استطاعتكم معاينة الملك على هيكله الأصلي، وفي إيثار {رجلًا} على بشرًا إيذان على ما قيل بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل، وفيه إشعار كما قال عصام الدين وغيره بأن الرسول لا يكون امرأة وهو متفق عليه وإنما الاختلاف في نبوتها.
والعدول عن ولو أنزلناه ملكًا إلى ما في النظم الجليل يعلم سره مما تقدم في بيان المراد، وقيل: العدول لرعاية المشاكلة لما بعد.
ووجه شيخ الإسلام عدم جعل الضمير الأول للملك المذكور قبل بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال: ولو جعلناه نذيرًا لجعلناه رجلًا مع فهم المراد منه أيضًا بأنه لتحقيق أن مناط إبراز الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك، وذلك لأن الجعل حقه أن يكون مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبرًا لكونه بمعنى التصيير المنقول من صار الداخل على المبتدأ والخبر، ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين طرفي الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت لو امتناعية أريد بيان انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولًا ثانيًا لا محالة ولذلك جعل مقابله في الجعل الثاني كذلك إبرازًا لكمال التنافي بينهما الموجب لانتفاء الملزوم ولا يخلو عن حسن.
وجوز غير واحد كون قوله تعالى: {وَلَوْ جعلناه} إلخ جواب اقتراح ثان، وذلك أن للكفرة اقتراحين، أحدهما: أن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ملك في صورته الأصلية بحيث يعاينه القوم؛ والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم مكان الرسول البشر ملك فانهم كما كانوا يقولون: لولا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ملك فيكون معه نذيرًا كانوا يقولون: {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة} [المؤمنون: 24] فأجيبوا عن قولهم الأول بقوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا} [الأنعام: 8] إلخ وعن قولهم الأخير بما ذكر فضمير {جعلناه} للرسول المنزل إلى القوم، ولا يخفى أن جعله جوابًا عن اقتراح آخر غير ظاهر من النظم الكريم ولا داعي إليه أصلًا.
وبعضهم جعله جوابًا آخر وجعل الضمير للمطلوب.
واعترض بأن المطلوب أيضًا ملك ولا معنى لقولنا لو جعلنا الملك ملكًا إلا أن يقال: المراد لو جعلنا المطلوب ملكيته ملكًا، وتعقب بأن المطلوب هو النازل المقارن للرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا غبار في الكلام خلا أن لزوم جعل الملك النازل رجلًا لجعله ملكًا كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأول لأن مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل فحينئذ يجب أن تكون الآية جوابًا عن اقتراح آخر لا جوابًا آخر عن الاقتراح الأول حتى لا يلزم المنافاة.
وأجيب بأنه على تقدير كونه جوابًا آخر يكون جوابًا على طريق التنزل، والمعنى ولو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلابد من تمثله بشرًا لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الارسال لغوًا لا فائدة فيه، وأنت تعلم أن ما عولنا عليه وهو المروي عن حبر الأمة سالم عن مثل هذه الاعتراضات.
نعم ذكر بعض الفضلاء إشكالًا وهو أن المقرر عند أهل الميزان أن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى هذا يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فههنا عكس القضية الصادقة وهي {لَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا} غير صادق إذ هو لو جعلناه رجلًا لجعلناه ملكًا ولا خفاء في عدم تحققه فإن الله تعالى قد جعله رجلًا ولم يجعله ملكًا والجواب بأن ما ذكره أهل الميزان اصطلاح طار فلا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة أهل اللسان غير مرضي فإنه قد تقرر أن تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه.
وأجيب عن ذلك بعد تمهيد مقدمة وهي أن للو الشرطية استعمالين لغويًا وهي فيه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما في لو جئتني أكرمتك ومفهوم القضية عليه الأخبار بأن شيئًا لم يتحقق بسبب عدم تحقق شيء آخر، وعرفيًا تعارفه الميزانيون فيما بينهم وذلك أنهم جعلوها من أدوات الاتصال لزوميًا واتفاقيًا وصدق القضية التي هي فيها بمطابقة الحكم باللزوم للواقع وكذبها بعدمها ويحكمون بكذبها وإن تحقق طرفاها إذا لم يكن بينهما لزوم وقد استعملها اللغويون أيضًا في هذا المعنى إما بالاشتراك أو بالمجاز كما يقال: لو كان زيد في البلد لرآه أحد.
وفي بعض الآثار: «لو كان الخضر حيا لزارني»، ومن البين أن المقصود الاستدلال بالعدم على العدم لا الدلالة على أن انتفاء الثاني سبب انتفاء الأول، وجعلوا من هذا الاستعمال {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
وقد اشتبه هذان الاستعمالان على ابن الحاجب حتى قال ما قال بأن قول المستشكل: إن عكس القضية الصادقة إلخ إن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال الأول فلا نسلم أن عكسه ما ذكر فإن عكس لو جئتني أكرمتك ليس لو أكرمتك لجئتني وإنما يكون كذلك لو كان الحكم في هذا الاستعمال بين الشرط والجزاء بالاتصال وليس كذلك بل القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كما صرح به السكاكي على أن بعض أئمة التفسير قالوا: المراد من الآية ولو جعلناه ملكًا لجعلناه على صورة رجل وأن المقصود بيان انتقاض غرضهم من قولهم:
{لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] يعني أن نزول الملك لا يجديهم لأنهم وهم هم لا يقدرون على مشاهدة الملك على صورته التي هو عليها إلا أن يجعله متمثلًا على صورة البشر في مرتبة من مراتب التنزل حتى تحصل لهم معه مناسبة فيروه فتكون الآية على هذا بمراحل عن أن يبحث فيها عن أن عكسها ماذا أو كيف حالها في الصدق والكذب فإنها لم تسق لبيان لزوم الجعل الثاني للجعل الأول حتى يستدل بالعدم على العدم أو بالوجود على الوجود فنسبة هذا البحث إلى الآية كنسبة السمك إلى السماك وإن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال العرفي المنطقي فمسلم أنه لابد من صدق عكسها على تقدير صدق أصلها لكن لا نسلم كذب العكس هنا على ذلك التقدير فإنه إذا فرض لزوم الجعل رجلًا للجعل الأول كليًا على جميع التقادير يصدق لزوم الجعل ملكًا للجعل رجلًا على بعض الأوضاع والتقادير وهو اللازم المقرر في قواعدهم على أن قوله إن الله تعالى قد جعله رجلًا ولم يجعله ملكًا لا يليق أن يصدر مثله من مثله لأنه استدلال بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم وهو كما لو قال قائل: إذا قلنا إن كان زيد صاهلًا كان حيوانًا لا يصدق عكسه، وهو قد يكون إذا كان زيد حيوانًا كان صاهلًا لأنه ليس بصاهل في الواقع، ومنشأ هذا هو ظن أن عدم تحقق أحد الطرفين، أو كليهما ينافي اللزوم.
وأنت خبير بأن صدق اللزوم لا يتوقف على تحقق الطرفين ولا تحقق المقدم اه.
وبحث فيه المولى العلائي أما أولًا: فبأن كون القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كلام ذكره بعض أهل العربية ورده السيد السند وحقق اتفاق الفريقين على كون الجملة هي المجموع وحينئذ كيف يصح بناء الجواب على ذلك.
وأما ثانيًا: فبأن المستشكل لم يستدل بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم كما لا يخفى على الناظر في عبارته، فالصواب أن يقال: أكثر استعمال لو عند أهل العربية لمعنيين.
الأول ما ذكره المجيب من انتفاء الثاني لانتفاء الأول.
والثاني الدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم.